السيد كمال الحيدري
23
صيانة القرآن من التحريف
فالتاريخ لا يرتاب أنّ العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأُمم المتقدّمة عليهم والمتأخّرة ، ووطئوا موطئاً لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان وجزالة النظم ووفاء اللفظ ورعاية المقام وسهولة المنطق . وقد تحدّاهم القرآن بكلّ تحدّ ممكن ممّا يثير الحميّة ويوقد نار الأنفة والعصبية ، وحالهم في الغرور ببضاعتهم والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم ممّا لا يرتاب فيه . وقد طالت مدّة التحدّي وتمادى زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلّا بالتجافي ، ولم يزدهم إلّا العجز ، ولم يكن منهم إلّا الاستخفاء والفرار ، كما قال تعالى : أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( هود : 5 ) . وقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرناً ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه بشيء إلّا أخزى نفسه وافتضح في أمره . التحدّي بعدم الاختلاف فيه قال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) . من الضروري أنّ هذه النشأة هي نشأة المادّة ، والقانون الحاكم فيها قانون التحوّل والتكامل ، فما من موجود من الموجودات التي هي أجزاء هذا العالم إلّا وهو متدرّج الوجود متوجّه من الضعف